د. هادي مراد
مقدمة: اتهامات باطلة لتشويه الحراك الوطنيتُواجه المعارضة الشيعية في لبنان حملة اتهامات ممنهجة تُحاول تصويرها بأنها حركة طائفية تنطلق من خلفية مذهبية. هذه الاتهامات تهدف إلى ضرب أي محاولة لإصلاح الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي وصل إلى حافة الانهيار تحت إدارة المنظومة الحاكمة.لكن الحقيقة مختلفة تمامًا. فالمعارضة الشيعية، بما تضم من شخصيات وطنية مستقلة، ليست وليدة الطائفية، بل هي صوت صارخ باسم الهوية الوطنية الجامعة، التي ترفض التبعية والمحاصصة والهيمنة. هي معارضة خرجت من رحم هذه البيئة بعدما ذاقت مرارة الحروب والعزل وقطع الصلات مع العالم العربي والدولي.أزمة الحزب والازدواجية في الخطاب السياسيلقد شهدت السنوات الأخيرة ازدواجية فاضحة في خطاب “حزب الله” تجاه الدولة والوطنية. ففي حين يدّعي اليوم أن “الدولة هي الحل”، نراه يخوض انتخابات نيابية عامي 2018 و2022 تحت شعارات تحريضية مثل “حرب تموز ثانية” ويمارس التهديد بالرصاص والسلاح لفرض نتائجه الانتخابية.فكيف يُتهم المعترضون على هذا النهج بالطائفية، في حين أن من يرفع رايات العقيدة والتكليف الشرعي هو نفسه من يزجّ ببيئته في حروب إقليمية تحت شعارات مذهبية، مثل “لن تُسبى زينب مرتين”؟ أليست هذه ازدواجية تفضح ادعاءاته؟الحزب والممارسات الطائفية: تناقض صارخيتهم الحزب المعارضة الشيعية بالطائفية بينما يقوم ببناء استراتيجيته السياسية والعسكرية والانتخابية على أسس طائفية صرفة. فقد وظّف العقيدة الدينية لتعزيز سلطته، واحتكر التمثيل الشيعي من خلال التضييق على أي صوت معارض.في انتخابات 2022، تعامل مع المرشحين المعارضين وكأنهم أعداء خارجيون، وليسوا أبناء البيئة نفسها. لجأ إلى العنف والتهديد، مُعتبرًا المعركة الانتخابية “حرب تموز جديدة”.وعلى الرغم من دعايته الإعلامية حول “النقاء التنظيمي”، كشفت التحقيقات الأمنية عن شبكة من العملاء داخل بيئته التنظيمية نفسها، ما يدل على حجم التصدع والفساد في داخله.الوطنية أولاً: رؤيتنا لبناء الدولةالمعارضة الشيعية ليست حركة طائفية، بل هي حراك وطني جامع يسعى إلى بناء دولة مدنية حديثة، حيث القانون فوق الجميع والمؤسسات تحكم بالعدالة والشفافية.نحن نرفض الزعامة الطائفية التي تُستخدم لتعزيز الهيمنة والاستبداد. خرجنا من بيئتنا لا لنُعزّز الانغلاق الطائفي، بل لنفتح الباب أمام العودة إلى الوطن، لا إلى العباءة الطائفية المقيتة التي أسست لها المنظومة الحاكمة.الثنائية الشيعية وحقيقة الفشل السياسييُروّج الحزب وأتباعه بأن المعارضة الشيعية لا تملك الشعبية الكافية، متناسين أن الشعبية التي يتفاخرون بها قادت لبنان إلى الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي.وعدوا الناس ببناء الدولة، فإذا بهم يُدمّرون مؤسساتها. زجّوا بالشباب في حروب إقليمية لمصالح خارجية، ثم عادوا عاجزين عن إصلاح بيت أو تعويض شباك مكسور في بيوت محطمة.إن استغلال الشعبية لتمرير المشاريع التدميرية هو أسوأ ما يمكن أن تمارسه قيادة سياسية، وهو ما يدفعنا اليوم للقول بوضوح: “حزب الله” فشل في بناء الدولة ونجح فقط في ترسيخ المحاصصة الطائفية والفساد.اتهامات الطائفية: محاولة لإسكات الصوت الحريحاول البعض شيطنة المعارضة الشيعية عبر وصفها بالطائفية، متناسين أن هذه التهمة تأتي من جهات بُنيت سياساتها أصلًا على العقيدة والتكليف الشرعي، وليس على برامج سياسية واقتصادية واضحة.إن من يحكم الناس بمنطق الولاء العقائدي لا يحق له اتهام الآخرين بالطائفية. المعارضة الشيعية خرجت لتُعيد ربط الطائفة الشيعية بامتدادها العربي والوطني، بعد أن قطع الحزب صلاتها بالعالم وأغرقها في عزلة قاتلة.نحن لسنا طائفيين، بل وطنيون مستقلون ندعو إلى بناء الدولة، لا إلى تعزيز الانقسام الطائفي.مؤتمر “نحو الإنقاذ”: رسالة وطنية للجميعفي مؤتمرنا الأخير، الذي حمل عنوان “نحو الإنقاذ”، أكدنا مرارًا أننا معارضة وطنية تنطلق من هموم اللبنانيين كافة، وليس فقط من هموم الطائفة الشيعية.نحن نؤمن بأن زمن الاعتراض الشيعي بصفته طائفية قد ولّى، وأن الحل اليوم هو العودة إلى الدولة المدنية. حتى الثنائي الحاكم أقرّ مؤخرًا بأن الدولة هي الحل بعد فشل كل المشاريع العقائدية التي تبنوها.خاتمة: نحو دولة المواطنةالمعارضة الشيعية في لبنان ليست حركة طائفية، بل هي نداء وطني لإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والشفافية.نرفض الخطاب التحريضي الذي يُشيطن كل محاولة للتغيير، ونُدرك أن بناء الدولة هو الخيار الوحيد للخروج من الأزمات المتلاحقة.ولمن يُهاجمون المعارضة بحجة ضعف شعبيتها، نقول: المعيار ليس الشعبية، بل الأداء والنتائج. فالشعبية المزيفة أودت بالبلاد إلى الهاوية، وحان الوقت لاستبدالها بحلول وطنية تنقذ لبنان وتعيده إلى دوره الطبيعي في العالم العربي والدولي.نحن معارضة وطنية مستقلة، خرجنا من رحم هذه البيئة، لنُعيد أبناءها إلى الوطن، لا إلى زعامات عباءات الطائفية البالية.

